أبي هلال العسكري

398

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الفصل الرابع والعشرون في الاستطراد الاستطراد وهو أن يأخذ المتكلّم في معنى ، فبينا يمرّ فيه يأخذ في معنى آخر ؛ وقد جعل الأول سببا إليه ؛ كقول اللّه عز وجل : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ، فبينا يدلّ اللّه سبحانه على نفسه بإنزال الغيث واهتزاز الأرض بعد خشوعها قال : إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى فأخبر عن قدرته على إعادة الموتى بعد إفنائها وإحيائها بعد إرجائها ، وقد جعل ما تقدّم من ذكر الغيث والنبات دليلا عليه ، ولم يكن في تقدير السامع لأوّل الكلام ، إلا أنّه يريد الدلالة على نفسه بذكر المطر ، دون الدّلالة على الإعادة ، فاستوفى المعنيين جميعا . مثاله من المنظوم ومثاله من المنظوم قول حسان « 1 » : إن كنت كاذبة الّذى حدّثتنى * فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل عنهم « 2 » * ونجا برأس طمّرة ولجام « 3 » وذلك أن الحارث بن هشام فرّ يوم بدر عن أخيه أبى جهل ، وقال يعتذر « 4 » : اللّه يعلم ما تركت قتالهم * حتى علوا فرسى بأشقر مزبد وعلمت أنّى إن أقاتل واحدا * أقتل ولا يضرر « 5 » عدوّى مشهدي وشممت ريح الموت من تلقائهم * في مأزق والخيل لم تتبدّد فصددت عنهم والأحبّة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مرصد « 6 » وهذا أول من اعتذر من هزيمة رويت عن العرب .

--> ( 1 ) ديوانه 95 وسيرة ابن هشام 3 : 383 ، إعجاز القرآن للباقلاني 93 . ( 2 ) في الديوان : « دونهم » . ( 3 ) الطمر ، بتشديد الراء : الفرس الجواد ، وقيل : المستفز للوثب ، والأنثى طمرة . ( 4 ) سيرة ابن هشام 3 : 385 . ( 5 ) في السيرة : « ينكى » . ( 6 ) في السيرة : « مفسد » .